الجصاص

73

أحكام القرآن

الخمس فيما صار غنيمة لهم بقوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) وهذا لم يصر غنيمة لهم لأن قول الأمير في ذلك جائز على الجيش ، فلما لم يصر غنيمة لهم وجب أن لا خمس فيه . مطلب : فيمن دخل دار الحرب مغيرا بغير إذن الإمام واختلف في الرجل يدخل دار الحرب وحده مغيرا بغير إذن الإمام ، فقال أصحابنا : " ما غنمه فهو له خاصة ولا خمس فيه حتى تكون لهم منعة " . ولم يحد محمد في المنعة شيئا . وقال أبو يوسف : " إذا كانوا تسعة ففيه الخمس " . وقال الثوري والشافعي : " يخمس ما أخذه والباقي له " . وقال الأوزاعي : " إن شاء الإمام عاقبه وحرمه وإن شاء خمس ما أصاب والباقي له " . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) يقتضي أن يكون الغانمون جماعة ، لأن حصول الغنيمة منهم شرط في الاستحقاق ، وليس ذلك بمنزلة قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) [ التوبة : 5 ] و ( وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) [ التوبة : 29 ] في لزوم قتل الواحد على حياله وإن لم يكن معه جماعة إذا كان مشتركا ، لأن ذلك أمر بقتل الجماعة والأمر بقتل الجماعة لا يوجب اعتبار الجميع إذ ليس فيه شرط ، وقوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم ) فيه معنى الشرط ، وهو حصول الغنيمة لهم وبقتالهم ، فهو كقول القائل : إن كلمت هؤلاء الجماعة فعبدي حر ، أن شرط الحنث وجود الكلام للجماعة ولا يحنث بكلام بعضها . وأيضا لما اتفق الجميع على أن الجيش إذا غنموا لم يشاركهم سائر المسلمين في الأربعة الأخماس لأنهم لم يشهدوا القتال ولم تكن منهم حيازة الغنيمة ، وجب أن يكون هذا المغير وحده استحق ما غنمه ، وأما الخمس فإنما يستحق من الغنيمة التي حصلت بظهر المسلمين ونصرتهم وهو أن يكونوا فئة للغانمين ، ومن دخل دار الحرب وحده مغيرا فقد تبرأ من نصرة الإمام لأنه عاص له داخل بغير أمره فوجب أن لا يستحق منه الخمس ، ولذلك قال أصحابنا في الركاز الموجود في دار الاسلام : لما كان الموضع مظهورا عليه بالإسلام وجب فيه الخمس ولو وجده في دار الحرب لم يجب فيه الخمس . وإذا دخل الرجل وحده بإذن الإمام خمس ما غنم ، لأنه لما أذن له في الدخول فقد تضمن نصرته وحياطته ، والإمام قائم مقام جماعة المسلمين في ذلك فاستحق لهم الخمس . وأما إذا كان المغيرون بغير إذن الإمام جماعة لهم منعة فإنه يجب فيه الخمس بقوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) فهم في هذه الحال بمنزلة السرية والجيش ، لحصول المنعة لهم ولتوجه الخطاب إليهم باخراج الخمس من غنائمهم .